عباس حسن

501

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

زيادة وتفصيل : لا شك أن المذهب الثاني « 1 » نفيس كما سبق ؛ لأنه عملىّ وبعيد من الالتجاء إلى المجاز ، والتأويل ، ونحوهما من غير حاجة . فلا غرابة في أن يؤدى الحرف الواحد عدة معان مختلفة . وكلها حقيقي « 2 » - كما قلنا - ولا غرابة أيضا في اشتراك عدد من الحروف في تأدية معنى واحد . لأن هذا كثير في اللغة ، ويسمى : المشترك اللفظي « 3 » . وهناك سبب آخر يؤيد أصحاب المذهب الثاني هو أن الباحثين متفقون على أنّ المجاز إذا اشتهر معناه ، وشاع بين الناطقين به ، انتقل هذا المجاز إلى نوع جديد آخر يسمى : « الحقيقة العرفية » ( ولها بحث مستفيض في مكانها بين أبواب البلاغة ) ومن أشهر أحكامها : أنها في أصلها مجاز قائم على ركنين : علاقة بين المشبه والمشبه به ، وقرينة تمنع من إرادة المعنى الأصلي . فإذا اشتهر المجاز وشاع استعماله تناسى الناس أصله ، واختفى ركناه ، واستغنى عنهما وعن اسمه ، ودخل في عداد نوع جديد يخالفه ، يسمى : « الحقيقة العرفية » فلو سلّمنا أن حرف الجر لا يؤدى إلا معنى واحدا أصليّا . وأن ما زاد عليه ليس بأصلي ، لكان بعد اشتهاره وشيوعه في المعنى الجديد داخلا في الحقيقة العرفية . وهي ليست بمجاز في صورتها الواقعة .

--> ( 1 ) وهو الكوفي . ( 2 ) سواء أكانت الحقيقة لغوية أم عرفية - كما سبق في رقم 2 من هامش ص 498 . ( 3 ) الحق أنه لا سبيل للحكم على معنى من معاني المشترك اللفظي بأنه « مجازى » أو أن في عامله « تضمينا » ؛ لأن هذا يقتضينا أن نعرف المعنى الأصلي الذي وضع له اللفظ أولا ، واستعمل فيه ، ثم انتقل منه بعد ذلك إلى غيره من طريق المجاز أو التضمين ، أي : أنه لا بد من معرفة أقدم المعنيين في الاستعمال ؛ ليكون هذا الأقدم هو الأصلي ؛ والمتأخر عنه هو الحادث مجازا أو تضمينا . وهذا أمر لم يتحقق حتى اليوم في أكثر المعاني التي يؤديها كل حرف من حروف الجر ، وهي معان مرددة في أفصح الكلام العربي - قرآنا وغير قرآن - ولا سبيل للحكم القاطع بأن معنى معينا منها أسبق في الاستعمال من معنى آخر ، وإذا لا سبيل للحكم الوثيق بأن واحدا من تلك المعاني هو وحده الحقيقي ، وأن ما عداه هو المجازى أو التضمينى . بل إن هذا يلاحظ في كل معنى مجازى آخر يجرى في غير الحرف . ولا يقال إن المعنى الحسىّ أسبق - في الغالب - وجودا من العقلي المحض ؛ لا يقال هذا لأنه لا يصدق على حالات متعددة . وفوق هذا أيضا يكاد يكون الحكم بالأسبقية مستحيلا إذا كان المدلولان عقليين معا ( أي : غير حسيين ) . وقد رأى أحد المستشرقين ضرورة وضع معجم خاص يوضح أقدمية الكلمات وتاريخ ميلادها ، وتجرد لهذه المهمة ، ولكن منيته عاجلته في أول مراحل العمل .